
في مشهد متكرر كل عام لكن بحدّة غير مسبوقة هذا الموسم تجتاح الفيضانات مساحات واسعة من السودان مما يهدد بتحول الأزمة إلى كارثة إنسانية حقيقية. لقد حان الوقت لرفع الصوت عالياً ليس عبر الدبلوماسية التقليدية فحسب بل عبر ما يمكن تسميته “دبلوماسية الصحة” التي تجعل من معاناة الإنسان أولوية فوق أي اعتبار وتدعو بعثاتنا الخارجية ومغتربينا إلى تضافر الجهود مع المواطنين في الداخل.
تشير التقارير الواردة من السلطات ووسائل الإعلام إلى أن الفيضانات قد أثرت على ثلاث عشرة ولاية حيث أغرقت آلاف القرى والمنازل وشردت عشرات الآلاف من الأسر . ووصل عدد الأسر المتضررة إلى أكثر من 25 ألف أسرة تضم ما يزيد عن 125 ألف شخص . وفي تطور خطير أجلى الدفاع المدني أكثر من 500 أسرة من بلدة “ود رملي” شمال العاصمة الخرطوم بعد أن اجتاحتها المياه .
حيث دمرت السيول مزارع وممتلكات وجعلت السكان بحاجة عاجلة إلى مأوى وغذاء وأدوية .
حيث أعاقت المياه حركة فرق الإغاثة وأدت إلى تشريد العائلات التي تقع منازلها على ضفاف النيل .
كما في ولاية الجزيرة حيث أعلن مسؤولون عن تلف 1,764 فداناً من الأراضي الزراعية مما يشكل ضربة للاقتصاد المحلي .
تشير التحليلات الفنية والخبراء إلى أن إدارة سد النهضة الإثيوبي تمثل عاملاً محورياً في تفاقم هذه الأزمة. فبعد افتتاح السد رسمياً في 9 سبتمبر بدأت عمليات تصريف كميات هائلة من المياه فإن التفريغ العشوائي لكميات كبيرة من المياه من سد النهضة دون تنسيق كافٍ مع دول المصب، هو السبب المباشر في الفيضانات غير المسبوقة التي تجتاح السودان .
في ظل هذه الكارثة، لا مكان للصمت أو الانتظار. إن “دبلوماسية الصحة” التي نناشد بها تفرض علينا جميعاً، حكومة وشعباً، التحرك العاجل في كل الاصعده :
• دور البعثات الدبلوماسية:
على بعثاتنا الخارجية أن تتحول إلى واجهات للعمل الإنساني، وتسخير كامل إمكاناتها لتعبئة الدعم الدولي، وتسهيل وصول المساعدات العاجلة من غذاء ودواء ومأوى للمناطق المنكوبة.
• مسؤولية المغتربين السودانيين:
ننادي أخونا المغتربين بأن يكونوا سفراء لأهلهم من خلال الحملات الإغاثية والتبرعات المادية ونقل معاناة المواطنين للعالم والمساهمة في جهود الإغاثة بأي شكل ممكن.
• تضافر الجهود:
يجب أن تذوب كل الفوارق في بوتقة الأزمة. التعاون بين جميع الجهات الرسمية والأهلية داخل السودان وخارجه، هو السبيل الوحيد لتخفيف المعاناة. لقد ظهرت بالفعل مبادرات شبابية محلية لوضع حواجز ترابية لكنها تظل محدودة نقص الأدوات والإمكانات . وهذا يستدعي دعمها فوراً.
إن المشاهد المؤلمة لبيوت مغمورة وأراضٍ زراعية مدمرة وأسر مشردة في ولايات مثل النيل الأزرق، وسنار، والخرطوم، والجزيرة ، هي جرس إنذار لا يمكن تجاهله. لقد كتبت من قبل وهذا المقال لأنادي قبل فوات الأوان بأن تكون استجابتنا على مستوى التحدي.
“دبلوماسية الصحة” ليست شعاراً بل هي منهج عمل يضع إنقاذ الأرواح وكرامة الإنسان في المقدمة. السودان يغرق ووقت التضامن الفعلي هو الآن.



