فاطمة عوض تكتب ..بين اتفاقية جوبا وإقالة الوزير.. هل تحمي الاتفاقيات الأشخاص أم الحقوق؟

في كل مرة يثار فيها الحديث عن تغيير مسؤول تم تعيينه في إطار اتفاقية جوبا للسلام، سرعان ما يبرز السؤال: هل يمثل التغيير مساساً بالاتفاقية؟ وهل يعني إنهاء تكليف شخص ما إلغاء للاستحقاق الذي جاءت به الاتفاقية؟
المسألة تحتاج إلى قدر من الهدوء والموضوعية فالاتفاقيات السياسية لا تبرم من أجل حماية الأشخاص، وإنما لتحقيق أهداف واستحقاقات سياسية ومجتمعية، وضمان مشاركة الأطراف الموقعة عليها في إدارة الدولة وفق ما تم الاتفاق عليه.
ومن هنا، فإن الخلط بين الاستحقاق السياسي والشخص الذي يشغل المنصب قد يقود إلى قراءة غير دقيقة لاتفاقية جوبا فالتمثيل الذي أقرته الاتفاقية يمكن أن يكون حقاً سياسياً ينبغي احترامه، لكن ذلك لا يعني أن الشخص الذي شغل المنصب يصبح محصناً ضد التغيير أو الإعفاء أو التقييم.
فالوزير، أيا كان موقعه أو الجهة التي جاء من خلالها، يظل مسؤولا عاما يخضع لمعايير الأداء والكفاءة والقدرة على إدارة مؤسسات الدولة. وإذا اقتضت المصلحة العامة تغييره، فإن التغيير لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره استهدافاً للاتفاقية، ما دام الاستحقاق السياسي نفسه محفوظاً.
الاتفاقية تعطي حقا في المشاركة، لكنها لا تمنح حقا أبديا في شغل المنصب.
وفي قضية إقالة وزير الشؤون الدينية والأوقاف، وما أثير من رفض بعض الحركات المسلحة باعتبار أن التعيين جاء وفقا لاتفاقية جوبا للسلام، يصبح من المهم التفريق بين أمرين: الأول هو احترام الاتفاقية وما ترتب عليها من استحقاقات، والثاني هو تقييم أداء شاغل المنصب وإمكانية تغييره.
فالتمسك بالاتفاقية ينبغي أن يكون تمسكا بمبادئها واستحقاقاتها، لا بالأسماء وإذا كان هناك اعتراض على الإقالة، فإن النقاش الموضوعي ينبغي أن ينصب على مدى مخالفة القرار لنصوص الاتفاقية، وليس على مجرد القول إن الشخص عين بموجبها، وبالتالي لا يجوز تغييره.
والأكثر إثارة للانتباه في هذا المشهد هو حالة الاستماتة التي يبديها بعض الصحفيين في المطالبة بإعادة الأمين السابق للحج والعمرة، وكأن القضية أصبحت معركة لاستعادة شخص بعينه لا نقاشا حول مستقبل المؤسسة وأدائها.
العمل الصحفي المهني لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للضغط من أجل إعادة أشخاص إلى مواقعهم، كما لا ينبغي أن تستخدم الاتفاقيات السياسية كغطاء لتثبيت أسماء بعينها من حق الصحفي أن يسأل وينتقد ويحلل ويكشف أوجه القصور، لكن من واجبه أيضاً أن يضع المصلحة العامة فوق العلاقات والانحيازات الشخصية.
إن المؤسسات لا يمكن أن تتقدم إذا أصبح تغيير المسؤولين أمراً محرماً، أو إذا تحول كل قرار إعفاء إلى أزمة سياسية، وكل مطالبة بإعادة مسؤول سابق إلى قضية رأي عام.
الدولة تحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات القوية لا تبنى على الأشخاص، وإنما على الأنظمة واللوائح والمعايير.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيشغل المنصب؟ وإنما: من هو الأقدر على إدارة المنصب وتحقيق أهداف المؤسسة وخدمة المواطنين؟
أما اتفاقية جوبا، فإن الحفاظ عليها لا يكون بتجميد المواقع أو تحصين شاغليها وإنما بتطبيق نصوصها، وحماية استحقاقاتها، ومعالجة أي خلاف حولها عبر المؤسسات والآليات السياسية المتفق عليها.
فالسلام أكبر من الأشخاص، والاتفاقية أكبر من المناصب، ومصلحة الدولة يجب أن تكون أكبر من الجميع.
التغيير ليس بالضرورة نقضاً للاتفاقية، كما أن بقاء الشخص ليس بالضرورة حفاظاً على السلام.
وفي نهاية المطاف، فإن احترام اتفاقية جوبا لا يعني التمسك بأشخاص محددين، بل يعني احترام ما اتّفق عليه، مع ترك مساحة طبيعية للدولة كي تقيم أداء مسؤوليها وتغيرهم متى رأت أن المصلحة العامة تقتضي ذلك.
فالمناصب العامة مسؤولية مؤقتة، أما الاتفاقيات والاستحقاقات الوطنية فهي أوسع وأبقى من الأشخاص.



