لواء أمن معاش د .الفاضل الجزولي مصطفى ينعي الشهيد العميد أمن عبد العزيز محمد إبراهيم الخليل ( الدباغ )

نعي اليم
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام على روحه في الخالدين
فارس الحوبة ود نفيسة
وأخ الملوك أبو حبوبة
الشهيد العزيز العميد (أمن)
عبد العزيز محمد إبراهيم
الخليل ( الدباغ )
تقبله الله في الصديقين .
مدخل أول: يقول الله تعالى في محكم التنزيل
( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا(69) ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليما(70) النساء
وهي تفصل وتبين الدرجات الأعلى في مدارج السالكين الطريق إلى الله فأعلاها للمصطفين الأخيار من الأنبياء والرسل الذين اجتباهم الله من بين خلقه لهذه المهام العظيمة في الهداية وتبليغ الرسالة ويقود ذمام هذا الركب سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد بن عبد الله وسيد المرسلين ويسير على طريقهم إلى يوم الدين العلماء فهم ورثة الأنبياء كما جاء في الحديث الشريف ،
ويليها درجة الصديقين ذوي الإيمان الكامل والعمل الصالح الشامل والذين يحمل لواءهم سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه،
ثم درجة الشهداء الذين قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله وإعلاء راية الدين ويحمل لواءهم سيد الشهداء حمزة ابن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه .
ثم درجة الصالحين الأولياء الذين قال الله فيهم يمدح أفعالهم ويبين مآلهم وجزاءهم المحمود .
( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم، ولاهم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ،لا تبديل لكلمات الله ، ذلك هو الفوز العظيم (64) يونس
ويقول جل في علاه ( يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي (30) الفجر _ صدق الله العظيم
والنفس المطمئنة هي النفس التي وعد الله صاحبها بالنعيم المقيم والرضى وهي منشود كل محب لله عارف به وهي عند أهل التفسير ( الموقنة المصدقة ) وهي من أعلى درجات الولاية الموصولة بنور الله والسعيدة بمعيته ورضاه.
مدخل ثاني: [ عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي صل الله عليه وسلم، قال: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ] رواه الترمزي وترجم الإمام الشافعي لهذا الحديث بأبيات شعر خالدة تصف أهل التوفيق والحزم والفطنة بقوله
إن لله عبادا فطنا،،،
طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا ،،،،
أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا، ،،،
صالح الأعمال فيها سفنا
وهذا يشير إلى أن من عباد الله من هم أولي عزم وحزم وإرادة لذا لا ترضي أنفسهم الذكية وهمتهم العالية إلا أن يحققوا الدرجات الكاملة في امتحان الإيمان في كل أركان الإسلام وأبواب الخير والعمل الصالح طاعة لله وسعيا لرضاه.
[ وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن النبي صل الله عليه وآله وسلم قال: من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده وسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء ] رواه مسلم
وقد أجمع العلماء أن أول أبواب الجنة الصلاة وهي عماد الدين ، والصوم طاعة لله وهو من أجل القربات إلى الله وينادى على أصحابه يوم القيامة من باب الريان ، والجهاد وهو ذروة سنام الإسلام ، والصدقة والزكاة وهي الأجر المتعدي لنفع الآخرين أهل الحاجة وتشمل كل الصفات النبيلة من الكرم والنخوة والنجدة وإدخال السرور على الآخرين وحتى البشاشة فتبسمك في وجه أخيك صدقة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والذكر ،ألا بذكر الله تطمئن القلوب ، وبر الوالدين والجنة تحت أقدام الأمهات ، والمتوكلين على الله الذين يدخلون من الباب الأيمن بغير حساب ، ثم باب التوبة وهو باب شفاعة الحبيب الرسول محمد عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم وذكرت أبواب أخرى للحج والكاظمين الغيظ والتوحيد والعلم وغيرها من اجتهاد العلماء .
مدخل ثالث: وأتناول فيه آخر رسائل الشهيد لي عبر الواتس والتي تعبر عن صدق اليقين بقضية الجهاد والدفاع عن بيضة الدين وحمى الوطن وصيانة الأرض والعرض والمحبة الخالصة بيننا في الله وبالله ولله والعهد المتين أن نلتقي ولو بعد حين في مقعد صدق عند مليك مقتدر ما دمنا على طريق المجاهدين الأخيار والشهداء الأبرار، وكانت أول رسائله بعد استشهاد رفيق دربه ودربي الفارس الصدوق عمر النعمان ( النمر ) وجاء فيها
[ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخي الحبيب الغالي الوفي ورفيق الدرب والسلاح ،،،،،
والله أول مرة أنتظر مقالك بفارق الصبر لأوزعه فإذا بي أجده في كل القروبات عدا القليل ومعه فيديو عن الشهيد مع الأخ عادل عبد اللطيف، ،،،
(عموما قد يكون أمامنا أيام معدودات للتحرك واللحاق بأخينا عمر النعمان)
وأنا في شوق لا يوصف لك منذ لقائنا الأخير وسفرك للخارج، ،،
أسأل الله تعالى أن يجمعنا قبل تحركنا ] صباح الخميس 5 سبتمبر سعت 10.1 وكانت ردا على المقال الذي كتبته بعد سنتين من التوقف عن الفارس الجحجاح الشهيد عمر النعمان والذي استشهد مشرفا مقبلا غير مدبر بالمدرعات مساء الأربعاء 4 سبتمبر بعد حياة حافلة بالتضحيات والعمليات والمكرمات وكان الشهيد عبد العزيز يعرف العلاقة الخاصة التي تجمعني بالنعمان وتجمع ثلاثتنا في كثير من الاهتمامات .
ولك أن تلاحظ ما بين القوسين من اليقين بأن بينه واللحاق بأخينا الشهيد عمر النعمان أيام معدودات، وقد صدق الله فصدقه وربح البيع في أيام معدودات كما كتب لم تتجاوز الثلاثة وعشرين يوما وهذا شأن الصديقين الأتقياء الذين يرون بنور الله ونور البصيرة ولا يغادرون دار الفناء إلى دار البقاء إلا في ذمرة السعداء الذين اختارهم الله واصطفاهم واتخذهم عنده شهداء .
وفي رسائله الأخيرة إلي كان يركز على المحبة الصادقة في الله لأنها العلاقة الدائمة التي تجمع المتحابين إخوانا على سرر متقابلين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
ومن هذه الرسائل رسالة صوتية للدكتور محمد راتب النابلسي التي يقول فيها ( أنا لا أرى علاقة أمتن ولا أدوم من الأخوة في الله لحديث الرسول صل الله عليه وآله وسلم ( وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في، والمتحابون في جلالي على منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة)
ويضيف النابلسي أن أمتن علاقة على الإطلاق علاقة الأخوة في الله فهذه لا تحكمها المصالح بل تحكمها المبادئ والقيم ،، وكان الصحابة الكرام في أعلى مستوى من علاقة الأخوة والمحبة في الله فيما بينهم رضي الله عنهم وأرضاهم .
وفي بوست أرسله بتاريخ 9 سبتمبر جاء فيه ( كل القلوب تفترق إلا القلوب المتحابة في الله فإن موعدها الجنة ) قال رسول الله صل الله عليه وآله وسلم: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي ، يوم لا ظل إلا ظلي ) رواه مسلم
ثم يدعوا عقب البوست ( الله يجعلنا وإياك منهم )
ثم يقول المتحابون في الله من فضل الله العظيم ومن سعة رحمته أن تتنوع طرق الخير ومن ذلك أن تجعل في حياتك أصحابا تحبهم في الله ليس بينك وبينهم إلا محبة الله لا دنيا ولا مصالح ولا غير ذلك، فقط مرضاة الله تتواصلون بالخير وتتعاونون عليه وهنا فابشروا بهذه المكانة العظيمة في الجنة، حيث يقول النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ( ليبعثن الله أقواما يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قال: فجثا إعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله جلهم لنا نعرفهم ،قال: المتحابون في الله من قبائل شتى وبلاد شتى، يجتمعون على ذكر الله ) تنزل عليهم السكينة وتحفهم الملائكة وتغشاهم الرحمة ويذكرهم الله في من عنده .
هذا وفي حضرة الشهداء من أمثال شهيدنا الأمة العميد عبد العزيز محمد إبراهيم الخليل وكما يحلو لي وله أن أناديه بالدباغ،
في حضرة هذه النجوم اللوامع والأقمار السوامق والرجال الأفذاذ، في حضرة جلالهم تتقزم الكلمات وتتقاصر فتعجز عن التعبير بما يجيش بما في الصدور وتنحني الهامات إجلالا ويرتد البصر وهو حسير لما يواجهه من منابع النور ولكنها محاولة للتقرب من هذا المثال العالي والشهيد الغالي الفطن المثالي للحديث عن بعض مناقبه مستعينا بما قدمت من مداخل من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ومن أصدق من القرآن قيلا .
ولعله من عظيم الأقدار بالنسبة لي أن جمعني بالأخ الشهيد منذ أول أيام التحاقي بالجهاز في منتصف التسعينات من القرن الماضي فحمدت الله وشكرته كثيرا أن ساق إلي هذا الكنز الثمين وسرعان ما توطدت العلاقات بيننا لأبعد الدرجات بسبب العوامل المشتركة في تناغم الأفكار وانسجام الميول والرغبات وتقارب السلوك والاهتمامات وفوق ذلك رابطة الرحم التي تجمع بين أهلينا في منطقتي قري وحجر العسل والتي انداحت على الأسرتين الكبيرتين والزملاء والأحباب من الجانبين في علاقة شاملة في الأفراح والأتراح وكل تعرجات الحياة لتثمر معرفة حقيقية من واقع الصحبة الطويلة في البيوت والأسر والمكاتب والاجتماعات ومأموريات السفر والعمليات ، علاقة صادقة تجاوزت بالفعل كل الحدود حتى لم يصبح فيها مكان لشكر أو لوم كما يحدث عادة في معاملات الأصدقاء.
الأمر الذي يخولني بالإدلاء بشهادتي لله والتاريخ في حق هذا الشهيد الحبيب الفطن اللبيب الذي أصبح مع جميع شهدائنا الأبطال الأخيار شهداء معركة الكرامة ، أصبحوا أيقونات لأهلهم في مناطقهم المختلفة ولشباب الوطن أجمعين وقدوات ورموز بيان بالعمل لأبواب الخير والدعوة ومكارم الأخلاق .
فإذا أخذنا درجات المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وممن يدخلون الجنة من أبوابها الثمانية من أفعال الخير والبر وأسقطناها على سيرة الشهيد رحمه الله لنجد العجب العجاب بأنه والشكر لله نال حظا وافرا في كل منها فقد كان من العلماء المجتهدين في تحصيل علوم الفقه والقرآن والسيرة الأمر الذي أعطاه ثقة عالية في التداخل الإيجابي لتبصير من حوله من الناس والمرؤوسين متى ما سنحت الفرصة حتى في الونسات، خاصة وأنه ظل لسنوات طويلة معلما محترفا بالكلية الحربية ومعسكرات تدريب هيئة العمليات وكذلك إمامة الصلاة واعتلاء منابر الجمعة في مسجد القرية والمعسكرات المختلفة ،
وبحكم مرافقتي له في أماكن كثيرة لم أجد رجلا قلبه معلق بالمساجد والسعي الدؤوب لصلاة الجماعة فيها في كل الأوقات كالشهيد عبد العزيز وكذلك حرصه المستمر على قيام الليل وصلاة النوافل وقراءة القرآن وكل أنواع الذكر بالاستغفار والصلاة على الرسول وأذكار الصباح والمساء مذكرا دائما بحديث المصطفى عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم ( لا يزال لسانك رطبا بذكر الله ) والحديث القدسي (ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)
وفي باب الريان والصيام فقد كان للشهيد باع وافر طيلة حياته والحمد لله رب العالمين حيث كان مداوما على صيام الإثنين والخميس لا يتركها إلا لعذر وكذلك صيام الليالي البيض وسنن الصيام الأخرى وكثيرا ما يكون الإفطار في بيته مع أصحاب آخرين وهنا تتجلى منابع الكرم الأصيل من أهل بيته وإخوانه الأتقياء النجباء الذين كان الشهيد يمثل لهم واسطة العقد في تناغم ومحبة عز أن توجد بين الأشقاء وهم جميعا حفظهم الله على ذات التفرد والاجتهاد والفلاح من الكبير عبد الملك إلى الكامل وحسني ومرتضى وأبو القاسم وشرف ومحمد والهادي والآخرين وكذلك ست البيت الكريمة السخية الصابرة العفيفة وأبنائه نسل الأولياء الأخيار من آل الفكي محمد ود عتمان راجل التكينة من جهة أمه نفيسة محمد المصباح وآل الحاج حسن في قري الغار من جهة الوالد الكريم محمد إبراهيم الخليل ، أبنائه النجباء المهندس محمد عبد العزيز والدكتور إن شاء الله تعالى مجدد والطيبات الطاهرات تبيان وترحاب حفظكم الله جميعا بجنابه الذي لا يضام ورعاكم بعينه التي لا تنام ،
ومعلوم لأهل قري أن الوالد محمد إبراهيم الخليل رحمه الله أفنى جل حياته في رعاية خدمات القرية والمنطقة صحبة رفاقه الرجال الميامين عمنا محمد محمود كدفور (شامير) والعمدة عبد الوهاب ( أبتوب ) والشيخ مبارك (أبشعر) رحمهم الله جميعا وآخرين وكان من أجل هذه الإنجازات مستشفى الصداقة بالمصفاة الذي خدم كل المنطقة وطريق التحدي وكذلك إعادة الحق إلى نصابه بتسمية محطات الكهرباء بالمصفاة باسم المنطقة ذات التاريخ العريق (قري)
كما كان لكل الأسرة وما يزال ارتباط كبير بالسادة الأدارسة دوحة الكرم والعلم والدعوة والذكر والصلاة العظيمية ذات القدر العظيم والتي تفردوا بها في الصلاة على سيد الخلق أجمعين عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم .
وقد قيض الله لي الاقتراب من هذا النبع الصافي والظلال الوريفة العامرة بالذكر والخيرات من خلال الأخ الشهيد وإخوانه الأخيار بالتعرف على الشيخ الشاب الدكتور الحسن الإدريسي الرجل الصالح المبروك والذي شرفني بالزيارة في بيتي فله من الله الأجر والثواب.
أما في باب الجهاد فحدث ولا حرج فقد خاض الشهيد هذه التجربة الحميدة وهو في أولى ثانوي لم يبلغ الحلم بعد في معارك صيف العبور في أوائل التسعينات في منطقة فشلا وجبل بوما بأعالي النيل صاحب فيها وهو ابن الخامسة عشر شباب المجاهدين وشيوخهم من أمثال الشيخ عادل عبد اللطيف حفظه الله ورعاه وشيخ الشهداء عبيد ختم تقبله الله وغيرهم من الأعلام ، وكان انضمامه المبكر لكتائب المجاهدين مدعاة للالتحاق بالكلية الحربية الدفعة 45 رغم تفوقه في امتحانات الشهادة السودانية وإحرازه لدرجات تؤهله لدراسة الطب في أي الجامعات شاء في ذلك الوقت ولعل دخوله للكلية الحربية وتفوقه فيها صقل شخصيته مبكرا وأخرج منها صفات الحزم والعزم والتعليم والقيادة والريادة ليصبح معلما مرموقا للدفعات اللاحقة ومشرفا على الكثير منها مما أكسبه صداقات ممتدة مع كل الضباط الأعلى والأدنى حتى انتقل منتدبا للجهاز ليستمر في ذات نطاق التدريب في المعسكرات المختلفة وقائدا لعدد من المتحركات في مناطق العمليات في شرق السودان وجنوب وغرب كردفان ودارفور وكذلك في إدارة القطاعات ظهرت فيها الحنكة والخبرة وروح المعلم والقائد والإداري مما جعله مميزا بين أقرانه علم يشار إليه بالبنان .
وفي الجهاز أيضا تلقى تدريبا عاليا في مجال الأمن والمخابرات بالداخل والخارج وبرز بصورة أساسية في التعامل مع ملفات التعاون الإقليمي مع أصدقاء الجوار الغربي التي أصبح فيها مرجعا ومفتاحا للكثير من العمليات الاستخبارية وله عملية أمنية جريئة وخطيرة كنت قريبا من تفاصيلها بحكم الموقع نجحت بحول الله في تحرير أسرانا من معسكرات العدو تصلح أن تدرس في الكليات العسكرية والأمنية وتكون فلما عالميا لروعة التخطيط والتنفيذ والجرأة والمتابعة رغم طول المسافة وصعوبة الطريق وضعف الوسائل والاتصالات ، كما كانت له تجربة ناجحة في الإدارة السياسية أهلته لنجاح أكبر في إدارة أخطر وحدات الجهاز على الإطلاق والتي نقل إليها في العام 2021م تقريبا ، وحدة أمن عطبرة ، المدينة التي انطلقت منها لوثة الخراب التي أسلمت ذمام الوطن لأحزاب القحط العميلة لأعداء الوطن والدين من الدول الطامعة ودول الاستكبار والتي قادت في نهايتها لهذا التدمير الشامل لمقدرات السودان وكادت تؤدي إلى تفكيكه وإبدال أهله بأوباش الأرض لولا لطف الله ونصره لعباده المؤمنين وتضحيات القوات المسلحة ومن خلفها جموع الشعب والمجاهدين.
وفي وحدة أمن عطبرة تجلت مهارات الشهيد وقدرته على تفعيل العمل الأمني الإيجابي في المجال الاجتماعي وذلك بتحريك طاقات المجتمع بمبادرات مختلفة عالجت كثيرا من الاحتقانات ووفرت خدمات ضرورية انتفع منها الناس الأمر الذي أثمر في إعادة الثقة في الجهاز بعد الاستهداف المركز من أعدائه من أنصار ثورة السنابر ، وحتى في مراكز سلطة قحط استطاع الشهيد بحنكته ومثابرته في مواجهة المسؤولين في المحلية والولاية والمجتمعات وإقناعهم بالتعامل مع الجهاز والاعتماد عليه في المعلومات والاستشارات مما قاد لتحقيق الاستقرار في مدينة عطبرة وكل المحلية ساعده في ذلك نجاحه قبل ذلك في رفع معنويات أعضاء الوحدة بعد الإحباط المعلوم جراء الاستهداف المخدوم من أنصار القحط وتم ذلك بالتنويرات المستمرة والسعي الدؤوب لحلحلة المشاكل والتواضع لهم ومشاركتهم وجباتهم ومناسباتهم الخاصة والاحتفال معهم في المناسبات العامة وغيرها من أعمال الدعوة والقيادة المؤثرة ليتوج كل هذا الجهد في تكريم الجهاز في شخصه بتقلده منصب رئيس نادي الأمل عطبرة ليصبح في وقت وجيز علما من أعلام مدينة الحديد والنار وواحدا من المدعوين الأساسيين في كل المناسبات الاجتماعية مما أتاح له شبكة علاقات واسعة مع كل أطياف المجتمع ساهمت في إنجاح المبادرات المختلفة وتحولت إلى صداقات شخصية محبة في الله مع الأخ الشهيد وتعلقا بسلوكه المثالي الحميد .
وفي بر الوالدين قد بلغ المدى بشهادة إخوانه فقد كان يتحسس رغباتهم واحتياجاتهم ويلبيها دون طلب سعيدا بإدخال السرور عليهما خاصة في الأعياد والمناسبات السعيدة وعند العودة من الماموريات البعيدة ، كما كان موفقا مع إخوانه جميعا في برهم في حالات المرض والاستشفاء والذي لم يستبق منه شيئا في مرافقتهما طلبا للشفاء بالداخل والخارج في مصر والسعودية للاستشفاء والعمرة خاصة مع الوالد الزعيم محمد إبراهيم الخليل والذي طالت فترة مرضه بالفشل الكلوي حيث كان الشهيد حريصا على ممارضته وترحيله المستمر بنفسه في مشاوير طويلة ومكررة بين قري ومستشفى الأمل بحري وأشهد بأنه كان يقوم بهذا الواجب المقدس لسنوات عديدة برا ومحبة وسعادة لا تفتر همته ولا تضعف شكيمته حتى نال وإخوانه الميامين كامل الرضا من الوالدين وهي غاية تستحق الشكر الكثير لله على التوفيق والسترة .
وكان رحمه الله وأرضاه بالنسبة لكل الأسرة والأهل والقرية هو السند والمدد والأمل والمشرف الأول مع إخوانه وزملائه الأخيار على كل الخدمات في المياه والصحة والكهرباء والتعليم والمساجد والبحث المستمر عن فرص للعمل للشباب متمثلا دائما قول الرسول صل الله عليه وآله وسلم ( لأن يمشي أحدكم في حاجة أخيه خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا ) وحديث ( من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته )
ولمعرفة زملائه ودفعته لهذه الخصال الحميدة فيه أوكلوا إليه مع آخرين القيام بأمر صندوق الدفعة رعاية لأسر الشهداء وواجبات الإخاء وقد أبلى فيه بلاء حسنا حيث صاحبته في كثير من الزيارات لأسر شهداء دفعته وكان دائما ما يحدثني بمحبة فائقة عن مناقبهم وأذكر من هؤلاء الأخيار ابن الفاو صلاح علي إبراهيم وشهيد جبل ملح محمد آدم وابن الجزيرة العقيد محمد عبيد وابن سنار العقيد فتحي وابن خالته العقيد مبارك عبد الجبار تقبلهم الله جميعا في الخالدين وكذلك كان شديد الود والمحبة والتعلق بأحبابه وأحبابي الشهداء الأحياء المجاهدين حفظهم الله ورعاهم أنس عمر وأسامة بابكر والصادق محمود وعثمان كرار وعبد الفتاح وأصدقائه الخلص الكرام في عطبرة كالشيخ الدكتور أحمد علي العربي وإدريس عوض والعمدة محمد نور ورفاقه عناني ومحمد كرار وعوض الله والعمدة ود طلب والحضري وفي شندي لا ننسى صديقه الحبيب بشير سليمان العبيد وأهل بيته الطيبين ومن عمل معه من أبناء الجهاز الأخيار كالأخ محمد الكباشي والمساعد عماد سليمان والرجل الطيب إبراهيم وغيرهم من الأخيار يعجز المجال عن حصرهم والإحاطة بهم .
أما عن قصة استشهاده ورفاقه الأبطال، فهي بحق مسك الختام لتاريخ مشرف مجلل بصالح الأعمال فقد أشرف بنفسه على تفاصيل إعداد متحرك المنتصر بالله منذ أيامه الأولى مع أخيه العميد الجيلي البشير القائد الأول للمتحرك المكون من فرسان هيئة العمليات ضباط وأفراد وكتائب المجاهدين الشجعان وقد كان لوجودهم بمنطقة المصورات الأثر الفاعل في إشاعة الأمان في ربوع شندي مع قوات الفرقة التالتة صاحبة المسؤولية وكسر الرغبة الجامحة للمتمردين في مهاجمة نهر النيل ثم كانت الخطوة التالية الموفقة في وصول المتحرك لهدفه شرق المصفاة بعد معارك عنيفة مع الأعداء في عز الصيف قدم فيها عددا من الشهداء ثم صموده لشهور منفردا في وجههم حتى تم سحبه بسلام للمصورات لإعادة الترتيب .
وقد كان التحرك الأخير نحو المصفاة في عملية تمويهية ناجحة استطاعت فيها القوات المسلحة العبور المتزامن من ثلاثة كباري للخرطوم وبحري مما قرب من عملية الختام في الوصول للقيادة العامة والذي بات وشيكا بإذن الله من محوري بحري والمقرن ، في أكبر عملية من هذا النوع منذ عملية عبور خط بارليف في معركة العاشر من رمضان التي انتصر فيها الجيش المصري العربي المسلم لأول مرة على الجيش الإسرائيلي في العام 1973م ، وقد نجحت العملية التضليلية في شد نظر العدو نحو المصفاة ومنع الفزع الذي اعتادوا عليه لمساندة قواتهم ببحري .
وقد كان استشهاد الشهيد ورفاقه الميامين في مواجهات متعددة مع العدو بالقرب من جبل البكاش بدأت ظهر السبت الموافق 28 سبتمبر عرجت فيها مع روح الشهيد أرواح كوكبة من الأقمار الأطهار من ضباط الجهاز وأفراده وكوكبة من المجاهدين عصر ذلك اليوم العصيب نذكر منهم على سبيل المثال ضباط الجهاز وهيئة العمليات الشهيد الصديق العقيد الفارس المغوار الدكتور محمد عبد الله حميدو ابن كردفان الغرة والشهيد الفارس صاحب التاريخ المحمود في الهيئة المقدم صديق الدومة ابن دارفور العزيزة والمقدم المهندس المهذب الخلوق ابن البواليد محمد عبد الحي والمقدم الشجاع عامر ميرغني غبوش ابن جبال النوبة والذي استشهد بالمستشفى مبتسما مستبشرا وهو يردد عبارات الفخر بجهازنا العملاق (أمن يا جن) وسط موجات التكبير والتهليل .
وفي ذات المعركة قدمت حجر العسل كوكبة من خيرة أبنائها وأشجعهم الأبطال المجاهدين الصادقين والذين ظلوا منذ اندلاع معركة الكرامة متطوعين في متحركات الكدرو وأمدرمان والمنتصر بالله دفاعا عن الدين والوطن وعلى رأسهم الشيخ الجليل والمجاهد المخلص النبيل صلاح عثمان تقيد والفارس النحيل الشجاع الصبور المجاهد الأصيل ذو الخلق الفضيل محمد فضل الله عريبي والبطل الشجاع محمد عبد المنعم عبد الرحيم والفارس الكريم وأخ الفرسان مصعب صديق عبد الله أسد الله والمهذب البشوش الصنديد ابن القبائل خالد عثمان الحسن .
وأخيرا من بشارات القبول شهادة الأخ الكريم المجاهد المقدم مرتضى منصور الذي كان مسؤولا عن مؤخرة المتحرك والذي قال إن الشهيد اتصل عليه ذلك الصباح وقال له إنه وفقا لرؤى مختلفة رآها يرجح بأنه ذاهب إلى الله بلا رجعة ولاحق بالشهداء الأخيار وطلب منه اختصار الكلام وإحضار ورقة وقلم وأملى عليه وصيته التي كانت جميعها تتعلق بمطلوبات الأسرة والأبناء والأخوان .
وطلب منه إبلاغها لإخوانه إذا وقع القضاء وودعه بطلب العفو والدعاء ثم مضى واثق الخطى مرفوع الرأس غير هياب راضيا وفرحا ومتشوقا للقاء الأحباب محمدا عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم وصحبه ومن سبقه من أحبابه الشهداء الكرام والآباء العظام الذين بلا شك استقبلوه في دار كرامتهم بالبرزخ فرحين مستبشرين .
مصداقا لما جاء في سورة آل عمران ( فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172) صدق الله العظيم .
وبعد فهذا غيض من فيض من سيرة هذا الشهيد العلم والذي يمثل واحداً من آلاف الشهداء الأخيار الذين سيخلدهم التاريخ في معركة الكرامة كما خلد القرآن أبطال معركة بدر الكبرى وأبطال بيعة الرضوان وقد قدم شهداء معركة الكرامة أرواحهم الطاهرة فداء للدين والوطن وبفضل تضحياتهم العظيمة انتصر الوطن على المؤامرة الكونية الخطيرة والمشروع الأجنبي البغيض وعملائه الأنجاس الأرجاس وسيسجل التاريخ لقواتنا المسلحة الأبية وقوات الجهاز والشرطة الفتية والقوات المشتركة الوطنية ومن خلفهم المجاهدين المتطوعين والمقاومة الشعبية ، سيسجل التاريخ بمداد النور هذه المواقف المشرفة النبيلة من هؤلاء الوطنيين الأوفياء كما سيسجل في ذات الآن مخازي المنافقين أحزاب القحط والخراب العملاء والمتمردين الإرهابيين السفهاء الذين تخلص منهم السودان إلى الأبد وسيعود قويا أبيا حرا لأهله يحكمه المشروع الوطني الحميد الذي يعبر عن قيم الشعب السوداني المؤمن الكريم .
مضى هؤلاء الشهداء فرحين مستبشرين ولسان حالهم يردد بفخر ما قاله الشاعر الوطني المبدع صلاح أحمد إبراهيم:
في غد يعرف عنا القادمون
أي حب قد حملناه لهم
في غد يحسب منهم حاسبون
كم أياد أسلفت منا لهم
في غد يحكون عن أناتنا
وعن الآلام في أبياتنا
وعن الجرح الذي غنى لهم
كل جرح في حنايانا يهون
حين يغدو راية تبدو لهم
جرحنا دام ونحن الصابرون
حزننا داو ونحن الصامتون
فابطشي ما شئت فينا يا منون
واصطفي سمح النفس بسام العشيات الوفي .
وبعد فالشكر لله الذي نصر عباده وأعز جنوده وهزم الأعداء وحده والذي جعل المنح في طي المحن بعد أن أصبح الشعب السوداني كله جيشا واحدا خلف قواته المسلحة بعد أن زالت عن أعينه غشاوة سنين القحط العجاف وعاد الوعي كاملا للشباب الأمر الذي يبشر بمستقبل أخضر وزاهر بعد الانتصار الشامل القريب والذي سيتخلص فيه الوطن بحول الله من أمراض الماضي والأدواء التي أقعدته عن بلوغ المرام في ريادة الأمم وهو حقيق بهذه الريادة وجدير بها من إنسان متميز بتمسكه بدينه القويم وخلقه الرفيع وبما حباه الله به من موقع وخيرات ليس لها مثيل فوق الأرض وتحتها تستحق الشكر بإحسان استغلالها حتى ينعم الشعب بالعيش الكريم حرا عزيزا مستقلا لا يركع إلا لله شأن الأتقياء الأقوياء الصالحين .
تقبل الله شهداءنا في الفردوس الأعلى من الجنة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وأنزل بركتهم على ربوع الوطن نصرا وفتحا وعزا وسلاماً ورخاء ورفع عن كاهل الوطن والمواطن هذه الأيام السوداء من الجوع والخوف والعناء إنه ولي ذلك والقادر عليه إنه نعم المولى ونعم النصير .
(نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين)
صدق الله العظيم
لواء أمن معاش/ د/الفاضل الجزولي مصطفى حاكم
الجمعة 19 جمادى الآخرة 1446ه الموافق 20 ديسمبر 2024م



