محمد المسلمي الكباشي يكتب .. الفريق الركن محمد الغالي: إدارة الدولة من قلب الحرب

في لحظات انهيار الدولة لا يظهر الفرق بين الإدارة الشكلية والإدارة الفعلية إلا حين يبقى من يشتغل بصمت بينما ينشغل غيره بالبيانات. هذه كانت حالة الفريق الركن محمد الغالي علي يوسف، الأمين العام لمجلس السيادة، الذي وجد نفسه أمام ملف معقد: دولة تنتقل من الخرطوم إلى بورتسودان، ومؤسسات مشتة، وموارد منهكة، وحرب تدور في الخلفية.
المنصب هنا لم يكن تشريفاً. الرجل وصل إليه بعد مسار عسكري معروف في القوات المسلحة السودانية، حيث لا تمنح الرتب القيادية إلا لمن اجتاز اختبارات الميدان والقيادة والأمانة. لذلك فإن الطعن فيه لا يصيب الشخص وحده، بل يصيب الفكرة القائلة إن الكفاءة لا تزال قادرة على الصعود في مؤسسات الدولة.
تولى الغالي الأمانة العامة في مرحلة كان فيها مجلس السيادة مكوناً من 11 عضواً، والحكومة الانتقالية تعاني ارتباكاً، ولجنة إزالة التمكين تحدث شرخاً في الهيكل الإداري. المهمة كانت تنسيقاً يومياً بين المجلس والوزراء، وضبطاً للملفات حتى لا تنهار الخدمات بالكامل.
مع اندلاع الحرب تغير المشهد. انتقلت أعباء الدولة إلى بورتسودان، وانتقل معها الأمين العام ليتابع الملفات ميدانياً. لم يتوقف العمل الإداري، وظل مجلس السيادة يمارس دوره عبر آليات جديدة فرضتها ظروف الحرب.
الملاحظ أن أبرز ما أنجزه الرجل حدث قبل أن تبدأ أعمال تأهيل القصر الجمهوري. كانت الأولوية إعادة الدولة نفسها إلى العمل.
أولاً، جرى إنشاء مجمع حكومي وزاري في بورتسودان جمع الوزارات والهيئات الاتحادية في مكان واحد. الخطوة قضت على بند الإيجارات الباهظة التي كانت تستنزف الموازنة، ووفرت مئات الملايين، وخلقت بيئة عمل موحدة يسهل فيها التنسيق.
ثانياً، قاد عملية توفير سكن ومكاتب حكومية لكل مسؤولي الدولة، من أعضاء مجلس السيادة إلى الوزراء والمسؤولين الاتحاديين. في مدينة عانت ضغطاً سكانياً كبيراً وارتفاعاً حاداً في أسعار السكن، كانت هذه الخطوة ضرورية لاستمرار عمل الدولة بدل أن تتحول إلى إدارة نازحة.
ثالثاً، أشرف على إقامة مقرات ثابتة لرئاسة مجلس السيادة والأمانة العامة، وأعاد ترتيب البنيات الإدارية لتستوعب العمل في ظروف الحرب. كل ذلك تم بمنطق أن الدولة لا تُدار بالخطب، بل بالملفات المنجزة.
وحين أت لحظة العودة إلى الخرطوم، كان إعادة بناء القصر الجمهوري أحد الملفات التي أشرف عليها بنفسه. عاد إلى العاصمة مع أول العائدين ليمارس المهام الموكلة إليه في قلب مؤسسات الدولة. مثل الفريق الغالي يكرم، وتكون سيرته تفوق الشبهات، وما ينشر من كذب لا يصدقه أحد. ولكن هنالك أيادٍ خبيثة تعمل ضد الوطن، تود تشويه سمعة الدولة كلها بدءاً من أعلى القيادة.
الحديث عن حصانة منسوبي الجيش والموظف العام ليس ترفاً قانونياً. القانون السوداني يجرم التشهير بهم لأن استهدافهم بالإشاعات يضرب الثقة في مؤسسات الدولة. حين تُترك حملات التشويه دون رد، فإنها تتحول إلى سلاح يخدم العدو أكثر مما يخدم أي رأي عام.
من هنا فإن الدفاع عن رجل عمل في الميدان، وأدار الأمانة العامة في أصعب ظرف، وأنجز ملفات ملموسة، هو دفاع عن معيار إداري. من خدم في الجبهات وأنجز في المكاتب لا يُترك فريسة للإفك.
تجربة الفريق الركن محمد الغالي تظهر أن الدولة يمكن أن تُدار حتى في الحرب، إذا وجد من يحمل الملف بيدٍ لا ترتجف. أنشأ مجمعاً حكومياً، ألغى بند الإيجار، ووفّر السكن والمكاتب لمؤسسات الدولة، وأعاد ترتيب مقرات السيادة، ثم عاد ليبني ما تهدم في الخرطوم. هذه وقائع تقاس بالنتائج لا بالشعارات.
ولعل بيت الشعر هذا يختصر حاله:
*_إذا الأمانة قامت في يدي رجلٍ
قام الوفاء له والجد والعملُ_*
حصانة الدولة تبدأ من حماية رجالها. ومن لا يحمي رجاله، يفقد قدرته على حماية دولته.
وللحديث بقية
محمد المسلمي الكباشي
رئيس الهيئة القومية لدعم القوات المسلحة



