
تتواصل في الآونة الأخيرة حملة هجوم ممنهجة تستهدف النيابة العامة وقياداتها، في مشهد بات يتكرر كلما شرعت المؤسسة العدلية في فتح ملفات الفساد أو ملاحقة المتعاونين مع المليشيا، وما إن تبدأ تلك الإجراءات القانونية حتى تنشط بعض الأبواق الإعلامية والمنصات المشبوهة في محاولة واضحة لإثارة الضجيج والتشويش، في مسعى معلوم الغاية يرمي إلى إضعاف صوت العدالة وإرباك الرأي العام.
-وتقوم هذه الحملات، في جوهرها، على روايات وحكايات تُنسج في الخفاء دون أن تستند إلى أدلة أو وقائع مثبتة، حيث تُطرح مزاعم عن فساد مزعوم دون تقديم بينة أو مستندات تدعم تلك الادعاءات. والهدف في تقدير كثير من المراقبين لا يتجاوز إثارة البلبلة والتشكيك في مصداقية إحدى أهم مؤسسات العدالة في الدولة، عبر توجيه الاتهامات إلى أشخاص بعينهم في محاولة لتسليط السيوف عليهم إعلامياً، ومن ثم إرباك المواطن الذي يواجه في الأصل تحديات معقدة.
-وتتبع هذه الحملات، وفق نمط واضح، مساراً متدرجاً يبدأ بالطعن في الأشخاص والقيادات العدلية، ثم ينتقل لاحقاً إلى مرحلة التشكيك في القرارات والإجراءات القانونية الصادرة عن المؤسسة نفسها، في محاولة لزعزعة الثقة العامة في منظومة العدالة برمتها.
-غير أن هذا المسار يصطدم بواقع مختلف؛ فالمواطن السوداني الذي صقلته التجارب خلال حرب الكرامة، لم يعد ذلك المتلقي السهل للإشاعات والأخبار المفبركة. فقد أسهمت التجارب المتراكمة في رفع مستوى الوعي العام، حتى أصبح المجتمع أكثر قدرة على التمييز بين الخبر والمعلومة المضللة، وبين النقد الموضوعي وحملات الاستهداف المنظمة.
-كما لعب التطور الكبير في وسائل التواصل والمنصات الرقمية دوراً مهماً في تمكين المواطنين من الوصول إلى مصادر متعددة للمعلومة، الأمر الذي قلل من التأثير الاعلامي للأبواق التي تحاول توجيه الرأي العام عبر روايات أحادية أو معلومات غير موثقة.
-من جانب آخر، تبدو محاولة التقليل من قدرات النيابة العامة وخبراتها المهنية نوعاً من الاستهانة غير المبررة بمؤسسة عريقة تمتلك من الكفاءات والتجارب ما يمكنها من قراءة المشهد بدقة والتعامل مع تعقيداته. فقد واصلت النيابة العامة أداءها حتى خلال أصعب الظروف التي مرت بها البلاد في فترة الحرب، محافظة على استمرار عملها في مباشرة الإجراءات القانونية وملاحقة الجرائم.
-هذه الاستمرارية، التي تحققت رغم التحديات، أسست لقاعدة مؤسسية متينة وخبرة عملية تراكمت عبر التعامل مع ملفات معقدة وحساسة، وهو ما منح المؤسسة قدرة أكبر على كشف خيوط المؤامرات ومحاولات التضليل التي تستهدف عملها.
-وفي ظل هذه المعطيات، يبقى التحدي الحقيقي ليس في مواجهة الشائعات فحسب، بل في ترسيخ ثقافة احترام مؤسسات العدالة والاحتكام إلى القانون والبينات. فالنقد الموضوعي والمساءلة القانونية حق مشروع، لكن تحويل المنابر الإعلامية إلى ساحات للاتهام المجرد من الدليل لا يخدم سوى الفوضى ويقوض الثقة العامة في مؤسسات الدولة.
-وبين حملات التشكيك وصمود مؤسسات العدالة، تظل الحقيقة الأوضح أن دولة القانون لا تُبنى بالضجيج ولا بالاتهامات المرسلة، وإنما بالوقائع الثابتة والإجراءات القانونية العادلة التي تكفلها مؤسسات العدالة، وفي مقدمتها النيابة العامة.



