محمد المسلمي الكباشي يكتب ..أحمد هارون.. المحاولة الأخيرة في مسلسل إسقاط الدولة السودانية

محاولة إسقاط الدولة السودانية ليست حدثاً عابراً، بل مسلسل مستمر، حلقاته متصلة، وأبطاله هم أنفسهم، وآخر حلقاته هو الظهور الإعلامي لأحمد هارون.
من يعرف التاريخ، يعرف أن ما يحدث اليوم لم يبدأ اليوم.
الحلقة الأولى: صناعة الجريمة
بدأ المسلسل بصاحب مقولة “امسح، اكسح، ما تجيبو حي”.
هذه ليست مقولة عابرة. هذه هي عقيدة القتل التي حكمت دارفور. جرائم حرب معلنة من أصحابها أنفسهم، لا تحتاج إلى شهود، لأنهم اعترفوا بها بألسنتهم.
ووصل الأمر إلى أن اعترف البشير نفسه بقتل 10 آلاف مواطن، “فقط” حسب قوله، وكأن 10 آلاف روح رقم هين في دفتر حسابات الإنقاذ.
ومن رحم هذه العقيدة، وُلدت المليشيا. المؤتمر الوطني هو من أنشأ الدعم السريع، وسلحه، وموله، وأطلق يده. وهو نفسه اعترف في لقائه الأخير، أن المليشيا كانت تملك في عام 2014 أكثر من 460 عربة قتالية في مدينة الأبيض وحدها، حين كان والياً على شمال كردفان.
من صنع الداء، لا يحق له أن يدعي أنه الدواء.
الحلقة الثانية: فض الاعتصام والهروب من الجماهير
ثم جاء موقفه من فض الاعتصام بالقوة الجبرية. موقف لا ينساه الشعب السوداني. اعتصام سلمي، شباب عزل، مطالب مشروعة، فووجهوا بالرصاص والدهس والاغتصاب.
وبعدها، هرب من مواجهة الجماهير. اختفى. انزوى منسوبو الحزب، وهرب آخرون خارج السودان، وتركوا الوطن يواجه مصيره وحده.
كان تولي قحت، وكان الارتباك، وكان الفشل، وكان الاتفاق الإطاري الذي أراد أن يسلم الدولة للمليشيا على طبق من ذهب.
ولولا فراسة الجيش السوداني، لكانت مجزرة يبكي عليها السودان حتى الآن.
الحلقة الثالثة: إنكار حق الجيش
ورغم ذلك، أنكروا حق ما قدم الجيش.
الجيش هو من أزال مخطط قحت. الجيش هو من رفض الاتفاق الإطاري. الجيش هو من رفض أن تُسلم الدولة. الجيش هو من وقف وحده حين غدرت المليشيا.
حين غدرت المليشيا في 15 أبريل، واجهها الجيش بفراسة القائد الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وقاتل جميع منسوبيه دون استثناء، من جندي إلى فريق، في القيادة العامة والمدرعات وسلاح الإشارة، تحت حصار طويل، وجوع، وانقطاع، حتى كان النصر.
وكان هجوم التخوين، وخزعبلات الحزب المهزوم، ومحاولة تشويه الجيش في كل مرحلة. وكل ما كان لهم قول، كان النصر بفضل هؤلاء الرجال العظام. وقد نصروا الوطن حين أعياهم ذلك وأتعبهم.
الجيش نصر الوطن حين عجز الآخرون، وصمد حين هرب الآخرون.
الحلقة الأخيرة: ضرب العلاقات الاستراتيجية
واليوم، جاءت الحلقة الأخيرة.
كان آخر كرتهم لضرب العلاقات الاستراتيجية السودانية مع المجتمع الدولي، هو الظهور الإعلامي لأحمد هارون، المتهم لدى المحكمة الجنائية الدولية، والمفرج عنه لدواعي أمنية ساعة الحرب.
ظهوره ليس صدفة، وليس بريئاً، بل مقصود ومرتب.
هو تحدٍ للسلطات، وإرسال رسالة سالبة للعالم: أن السودان يخطو طريق إرادة الإنقاذ، وأنها موجودة، وأنها عادت.
وهي رسالة سالبة، تضر بالدولة، وتضر بالجيش، وتضر بالقائد الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وتُعطي المليشيا وداعميها حجة مجانية يقولون بها: “نحن لا نحارب السودان، نحن نحارب عودة الإسلاميين”.
ظهور المدعو بصفة الحزب المحلول، وبصفة المنظر، هو أعلى درجات محاربة الدولة السودانية.
ولكن.. الدولة السودانية محروسة برجال نثق في قدرتهم
وهنا النقطة التي يجب أن يفهمها الجميع.
الدولة السودانية ليست هشة، وليست ورقة تسقط بظهور إعلامي.
الدولة السودانية محروسة برجال نثق في قدرتهم، رجال أقسموا على حمايتها، ودفعوا ثمن ذلك دماً وصبراً وجوعاً وحصاراً.
راية الوطن لن تسقط بظهور إعلامي. ولن تسقط بمقابلة تلفزيونية. ولن تسقط ببيان حزب محلول.
بالعكس، هذا الظهور الإعلامي فضح نفسه بنفسه.
فضح نفسه حين اعترف بصناعة المليشيا.
فضح نفسه حين تحدث باسم حزب ميت.
فضح نفسه حين هرب من العدالة إلى الاستديو.
فضح نفسه حين أراد أن يسرق نصراً لم يصنعه.
الشعب السوداني اليوم أوعى من أن يُخدع. والجيش السوداني اليوم أقوى من أن يُختطف. والدولة السودانية اليوم أرسخ من أن تُسقط بكاميرا.
من ظن أن راية الوطن يمكن أن تسقط بظهور إعلامي، لم يعرف السودان، ولم يعرف جيشه، ولم يعرف رجاله.
ماذا كان ينبغي أن يفعل؟
كان ينبغي له، بعد استتباب الأمن، أن يسلم نفسه لأقرب مركز شرطة، وأن يسلك طريق البراءة، ومعلوم نزاهة القضاء السوداني.
من يريد أن يبرئ نفسه، يذهب إلى القضاء، لا إلى الاستديو.
من يريد أن يخدم الوطن، يخدمه كمواطن صامت، لا كرئيس حزب ميت.
من يريد أن يثبت براءته، يثبتها أمام العدالة، لا أمام الكاميرا.
الخلاصة:
هذا المسلسل الطويل، من “امسح اكسح” إلى 10 آلاف قتيل، إلى صناعة المليشيا، إلى فض الاعتصام، إلى الهروب، إلى إنكار فضل الجيش، إلى الظهور الأخير، هو مسلسل واحد: مسلسل إسقاط الدولة السودانية.
ولكن الجيش بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أحبط المؤامرة كلها.
أحبطها في دارفور، وأحبطها في الاعتصام، وأحبطها في الاتفاق الإطاري، وأحبطها في 15 أبريل، وسيحبطها اليوم.
ينبغي أن يُحدد مكان إقامته، وأن يُسلم إلى العدالة السودانية.
الدولة محروسة برجالها.. والراية لن تسقط.
الجيش أحبط المؤامرة.. والشعب سيحبط ما تبقى منها.
النصر للسودان كله.. لا لحزب.
محمد المسلمي الكباشي