محمد المسلمي الكباشي يكتب ..قرار حظر استيراد السلع الكمالية.. ضرورة اقتصادية والحكومة في الاتجاه الصحيح

طالعنا بعض الآراء التي انتقدت القرار رقم (74) لسنة 2026م الصادر بحظر استيراد قائمة من السلع الكمالية. واحترامًا لحق النقد البناء، نود توضيح الأسس الموضوعية التي استند عليها القرار، والرد على ما أُثير من ملاحظات، تأكيدًا على أن المصلحة الوطنية هي الحاكم الأول في هذه السياسات.
أولًا: المبررات الاقتصادية للقرار
يأتي القرار في سياق معالجة اختلال الميزان التجاري والحد من الطلب غير الضروري على النقد الأجنبي. فالسودان يمتلك موارد زراعية وصناعية تؤهله لتحقيق الاكتفاء الذاتي في سلع أساسية عديدة يتم استيرادها حاليًا، مثل البقوليات ومعجون الطماطم والأرز. إن استمرار استيراد سلع يمكن إنتاجها محليًا يمثل استنزافًا مباشرًا لاحتياطي الدولة من العملات الصعبة، ويضعف قدرة الجنيه السوداني ويؤثر على استقرار الأسعار.
القرار لا يستهدف “الغذاء” بل يستهدف “الاستيراد غير المبرر” لسلع لها بدائل محلية أو إمكانية إنتاج محلي. وهذا توجه معمول به في كل الدول التي تسعى لحماية اقتصادها الوطني.
ثانيًا: التكامل بين الحظر ودعم الإنتاج المحلي
خارطة الطريق الحكومية لا تبدأ وتنتهي عند الحظر، بل هو إجراء أولي ضمن حزمة متكاملة لدعم الإنتاج. وقد اتخذت وزارة المالية وبنك السودان المركزي الخطوات التالية:
إعفاء كامل لمدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي من الرسوم الجمركية والضرائب.
تخصيص محفظة تمويلية بقيمة 300 مليار جنيه للموسم الزراعي الشتوي عبر البنك الزراعي.
مراجعة تعرفة الكهرباء للقطاع الصناعي وتخفيضها لدعم تكلفة التشغيل.
توجيه مباشر لمشروع الجزيرة والمشاريع القومية الأخرى بالتوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية التي شملها قرار الحظر.
إن توفير السوق المحلي عبر حمايته من المنتج المستورد هو الضمانة الأساسية التي يطلبها المستثمر والبنك الممول. لا يمكن مطالبة القطاع الخاص بإنشاء المصانع قبل ضمان تصريف إنتاجه.
ثالثًا: معالجة ظاهرة هجرة رؤوس الأموال الصناعية
من الأهداف الاستراتيجية للقرار معالجة ظاهرة إنشاء بعض المصانع خارج البلاد ثم تصدير إنتاجها للسوق السوداني. هذا النموذج يفقد الاقتصاد الوطني ثلاث مزايا: فرص التشغيل للعمالة المحلية، وعائد الضرائب، والقيمة المضافة من استخدام المواد الخام المحلية. كما يفقدنا فتح أسواق أكبر للمنتجات الزراعية السودانية واستغلال ميزات السودان النسبية في صناعات مثل السيراميك والبورسلين، وهذا مثال لا حصر.
إن توفير بيئة محمية للمنتج الوطني سيدفع هذه الرساميل للعودة والاستثمار داخل السودان، بما يسهم في تشغيل الشباب، وشراء المنتجات الزراعية من المزارع المحلي، وخلق دورة اقتصادية متكاملة داخل البلاد.
رابعًا: معالجة أوضاع البضائع التي تم شحنها مسبقًا
الدولة ملتزمة بمبدأ صون الحقوق، ولها سوابق كثيرة تمت معالجتها وفق قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”. وقد رأينا ما تقوم به وزارة التجارة والتموين من تشكيل لجنة لدراسة أوضاع البضائع التي ثبت شحنها قبل تاريخ صدور القرار. وستتم معالجة كل حالة وفق الضوابط القانونية التي تضمن عدم الإضرار بالمستورد، وفي نفس الوقت عدم إغراق السوق بما يتعارض مع أهداف القرار.
والقاعدة المستقرة أن القرارات السيادية تراعي الأوضاع القائمة، وهذا ما تعمل عليه الجهات المختصة حاليًا.
خامسًا: المخاوف من الندرة وارتفاع الأسعار
إن الخطر الحقيقي على الأمن الغذائي لا يكمن في قرار تنظيم الاستيراد، بل في الاعتماد الكلي على الخارج في توفير الغذاء. الندرة تنشأ عندما تتوقف الدولة المصدرة أو ترتفع الأسعار عالميًا. أما الحل المستدام فيكمن في تحقيق الاكتفاء الذاتي.
الحكومة تدرك أن الانتقال يحتاج فترة زمنية، ولذلك صاحب القرار حزمة إجراءات لدعم الإنتاج السريع. والمتابعة الميدانية للإنتاج والتخزين والتوزيع كفيلة بمنع أي مضاربات أو احتكار. إن دعم المنتج المحلي هو الذي يضمن استقرار الأسعار على المدى المتوسط والطويل.
الخلاصة:
إن القرار رقم (74) لسنة 2026م قرار إصلاحي لحماية العملة الوطنية وتوطين الصناعة ودعم المنتج السوداني. وهو خطوة أولى ضمن حزمة متكاملة للإنتاج، لا تستهدف معيشة المواطن بل تضمن له اقتصادًا منتجًا وجنيهًا قويًا.
ندعو الجميع لدعم توجه الدولة نحو الإنتاج، فهو طريق نهضة السودان.
شكرًا للدكتور كامل إدريس رئيس الوزراء وطاقمه على هذا التوجه الشجاع. النجاح محارب، ونثق أن خططكم ستنجح بإخلاصكم ومهنيتكم.
وللحديث بقية
محمد المسلمي الكباشي
رئيس الهيئة القومية لدعم القوات المسلحة



