الأخبارمحلية

ضى المسارب غازى حسين محمد علي يكتب : السودان بين حكم العصبية وسيادة المؤسسات : قراءة في فكر ابن خلدون و واقع الدولة السودانية

 

من القضايا التي ظلت تؤثر في مسار الدولة السودانية منذ الاستقلال وحتى اليوم قضية العلاقة بين العصبية القبلية و مؤسسات الدولة . فالسودان بما يتميز به من تنوع قبلي وثقافي واجتماعي واسع ، ظل يواجه تحديات مستمرة في بناء دولة وطنية حديثة تستوعب هذا التنوع وتجعله مصدر قوة بدلاً من أن يكون سبباً للتنافس والانقسام .
هذه الإشكالية ليست جديدة في التاريخ الإنساني ، بل تناولها المفكر والمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون قبل أكثر من ستة قرون عندما قدم نظريته الشهيرة في العصبية والعمران البشري . فقد رأى أن العصبية تمثل قوة التضامن والتماسك التي تمنح الجماعة القدرة على التنظيم والحماية وتحقيق الغايات المشتركة ، وأنها كانت عاملاً أساسياً في نشوء الدول والحضارات عبر التاريخ .
غير أن ابن خلدون يلفت النظر إلى حقيقة مهمة ، وهي أن العصبية التي تنجح في إقامة الدولة قد تتحول لاحقاً إلى سبب في ضعفها إذا أصبحت بديلاً للمؤسسات والقانون . فعندما تتحول الدولة إلى ساحة للتنافس بين الولاءات القبلية أو الأسرية أو الجهوية أو الانتماءات ، فتتراجع المصلحة العامة ، وتضعف هيبة الدولة ، بل تصبح رهينة لهذه الانتماءات للجماعة مقدماً على الانتماء للوطن.
وفي الواقع السوداني ، لا يصعب على المراقب أن يلحظ كيف أثرت الانقسامات القبلية والجهوية على مسيرة الدولة في مراحل مختلفة من تاريخها . فبدلاً من أن تتنافس القوى السياسية حول البرامج والرؤى الوطنية ، كثيراً ما طغت اعتبارات الانتماء القبلي أو الجهوي على معايير الكفاءة والاستحقاق . كما أن النزاعات التي شهدتها بعض الأقاليم لم تكن بعيدة عن تأثيرات العصبيات المحلية وصراعات النفوذ والموارد .
ومع ذلك ، فإن المشكلة لا تكمن في وجود القبيلة في حد ذاتها ، فالقبيلة كانت وما زالت مؤسسة اجتماعية تؤدي أدواراً مهمة في التكافل الاجتماعي وحفظ الروابط الانسانية برتق النسيج المجتمعي . وإنما تكمن المشكلة عندما تتحول القبيلة إلى إطار سياسي ينافس الدولة أو يحل محل مؤسساتها . فالدولة الحديثة لا تقوم على إلغاء الانتماءات الاجتماعية والثقافية ، وإنما تقوم على جعل المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات ، وسيادة القانون هي المرجعية العليا للجميع.
ولعل من أبرز ما يميز فكر ابن خلدون تأكيده أن العدل هو أساس العمران واستقرار الملك. فالظلم والتمييز والإقصاء يؤدون إلى تآكل الثقة في الدولة، ويدفعون الأفراد والجماعات إلى الاحتماء بعصبياتهم الخاصة. وعندما يفقد المواطن ثقته في مؤسسات الدولة، يعود تلقائياً إلى البحث عن الحماية

إن التجربة السودانية خلال العقود الماضية تؤكد أن بناء الدولة لا يمكن أن يتحقق عبر تغليب جماعة على أخرى، ولا من خلال إعادة إنتاج الولاءات التقليدية داخل مؤسسات الحكم، وإنما عبر تأسيس عقد وطني يقوم على العدالة والمساواة والشراكة الحقيقية بين جميع المواطنين. فالدول القوية لا تُقاس بحجم مواردها أو عدد سكانها فحسب، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات تحظى بثقة الناس وتعمل وفق القانون لا وفق الولاءات.
ومن هنا فإن التحدي الأكبر أمام السودان في مرحلة إعادة البناء والتعافي الوطني يتمثل في الانتقال من منطق العصبية إلى منطق الدولة، ومن حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات، ومن الولاءات الضيقة إلى المواطنة الجامعة. ويتطلب ذلك إصلاحاً شاملاً في الإدارة العامة، وتعزيزاً لسيادة القانون، وترسيخاً لمبادئ العدالة وتكافؤ الفرص، إلى جانب نشر ثقافة وطنية تجعل الانتماء للسودان فوق كل الانتماءات الأخرى.
لقد أدرك ابن خلدون مبكراً أن العصبية قد تكون ضرورة في نشأة الدول، لكنها لا تكفي لاستمرارها. فبقاء الدولة وازدهارها مرهونان بقدرتها على التحول إلى دولة مؤسسات وعدالة وقانون. وهذه الحقيقة لا تزال صالحة لفهم كثير من التحديات التي تواجه السودان اليوم.
إن مستقبل السودان لن تصنعه القبائل المتفرقة ولا العصبيات المتنافسة، وإنما تصنعه الإرادة الوطنية الجامعة التي تؤمن بأن التنوع مصدر قوة، وأن الدولة العادلة هي المظلة التي تتسع للجميع. وعندما تصبح المؤسسات أقوى من العصبيات، والقانون أعلى من الولاءات، والمواطنة أساس الحقوق والواجبات، عندها فقط يمكن للسودان أن يؤسس دولة مستقرة وقادرة على تحقيق تطلعات شعبه في الأمن والتنمية .

آخر المداد :
وحدوا و سوووا صفوفكم لله و الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى