عام

(سابا).. حين تتحول الخبرات السودانية في الخارج إلى عون للداخل

تقرير: خالد فضل السيد

في ظل التداعيات الواسعة التي خلفتها الحرب في السودان، برزت مبادرات ومنظمات طوعية وإنسانية حاولت سد جزء من الفجوة التي خلفها تراجع الخدمات الصحية وخروج عدد من المؤسسات الطبية عن الخدمة. ومن بين هذه الجهات، برزت منظمة تجمع الأطباء السودانيين في الولايات المتحدة الأمريكية «سابا» (SAPA)، التي وسعت من تدخلاتها الإنسانية والطبية داخل السودان ودول الجوار.

وتأسست «سابا» في يناير 2019 كمنظمة إنسانية ومهنية وغير ربحية، تضم أطباء وكوادر طبية من ذوي الأصول السودانية المقيمين والعاملين في الولايات المتحدة الأمريكية، وتعمل على دعم وتطوير القطاع الصحي في السودان، ونقل الخبرات والمعارف الطبية والعلمية، إلى جانب تقديم المساعدات الإنسانية والرعاية الصحية للمجتمعات الأكثر احتياجًا.

ومع اندلاع الحرب، اتسع نطاق تدخلات المنظمة، لتنتقل من برامج دعم القطاع الصحي وبناء القدرات إلى الاستجابة المباشرة للاحتياجات الإنسانية والصحية الناجمة عن الحرب، بما في ذلك إعادة تأهيل المرافق الصحية المتضررة، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وتشغيل العيادات المتنقلة، ودعم الكوادر الصحية.

تدخلات ميدانية واسعة

شملت جهود «سابا» عددًا من المستشفيات والمرافق الصحية في ولايات مختلفة، من بينها مستشفيات إبراهيم مالك، والنو، والسعودي، والبلك للأطفال، حيث ساهمت المنظمة في أعمال الصيانة والتأهيل ودعم الأقسام الحيوية، بما يساعد على استعادة الخدمات المنقذة للحياة.

وأعلنت المنظمة كذلك اكتمال المرحلة الأولى من أعمال صيانة قسم الطوارئ بمستشفى إبراهيم مالك التعليمي، في إطار تدخلاتها لإعادة تشغيل المرافق الصحية المتضررة.

ولم تقتصر تدخلات «سابا» على المستشفيات، إذ سيرت عشرات العيادات المتنقلة لخدمة النازحين والمجتمعات المتأثرة في ولايات الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض والشمالية، إلى جانب تقديم خدمات صحية في معسكرات اللاجئين بدول الجوار، من بينها تشاد وأوغندا.

كما نفذت المنظمة حملات للتطعيم ومكافحة الأوبئة، إلى جانب برامج للتعامل مع سوء التغذية الحاد لدى الأطفال، مستفيدة من شراكاتها مع منظمات دولية، بينها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» ومنظمة الصحة العالمية.

حضور في ولايات السودان

وامتدت أنشطة المنظمة إلى عدد من الولايات. ففي الولاية الشمالية، شغلت «سابا» مركزًا للرعاية الصحية للنازحين، كما دعمت مستشفى دنقلا بوحدة للعناية المركزة لحديثي الولادة، إلى جانب تقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للنازحين.

وبحسب عرض المنظمة، بلغ عدد المرضى الذين استقبلتهم مراكزها في الولاية الشمالية نحو 23 ألف مريض، فيما استفاد نحو 22 ألف شخص من الأدوية والإمدادات الطبية، وبلغ عدد المستفيدين من خدمات العيادات المتنقلة نحو 10 آلاف مريض.

وفي ولاية القضارف، شملت التدخلات دعم مستشفى القضارف ومستشفى النساء والتوليد ومركز صحي أم شجرات، بينما شهدت ولاية كسلا دعم عدد من المستشفيات والمراكز وتوفير الإمدادات الغذائية والصحية للنازحين.

وفي مدينة بورتسودان، قدمت المنظمة خدمات الرعاية الصحية الأولية، إلى جانب دعم وحدة العناية المركزة للأطفال ومستشفى بورتسودان للأطفال.

أما في ولاية الخرطوم، فقد شملت تدخلاتها خدمات الصحة والتغذية بمستشفى البلك، ودعم أقسام الحضانة والتغذية، إلى جانب دعم مستشفيات الفاتح والشهداء، والعمل على ترميم وتشغيل مستشفى السعودي، فضلًا عن دعم مراكز الرعاية الصحية الأولية، من بينها 15 مركزًا في محلية أمبدة.

424 ألف مستفيد

وتكشف أرقام المنظمة عن اتساع نطاق تدخلاتها خلال العام المنصرم، حيث أشار رئيس رابطة الأطباء السودانيين في أمريكا، د. ياسر يوسف، إلى أن «سابا» قدمت خدمات صحية لنحو 424,766 مريضًا.

وشملت الخدمات فحص 5,922 طفلًا للكشف عن سوء التغذية، وتطعيم 9,741 طفلًا، إلى جانب تقديم جلسات للدعم النفسي والاجتماعي لنحو 4,874 شخصًا.

وتعكس هذه الأرقام، بحسب المنظمة، حجم الاحتياجات الصحية والإنسانية التي تواجه المجتمعات المتأثرة بالحرب، كما تعكس اتساع نطاق التدخلات التي نفذتها الجهات الطبية والطوعية خلال الفترة الماضية.

شراكات ودعم دولي

وفي إطار توسيع نطاق عملها، انضمت منظمة «سابا» رسميًا إلى منبر المنظمات الدولية في السودان في 25 فبراير 2026، لتعمل إلى جانب عدد من المنظمات والمؤسسات الدولية والشركات والجهات التعليمية.

وأكدت المنظمة استمرار تعاونها مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف وشركاء آخرين، بهدف رفع كفاءة التدخلات الصحية والإنسانية وتعزيز الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وأكد مدير البرامج بالمنظمة، الأستاذ كباشي سامي، أن ما تحقق من تدخلات لم يكن ممكنًا دون الدعم الذي قدمه المتبرعون والشركاء من المنظمات والأفراد، مشيرًا إلى تطلع «سابا» إلى تعميق شراكاتها لضمان تقديم دعم أوسع للفئات الأكثر ضعفًا في السودان.

إعادة بناء النظام الصحي

من جانبه، أوضح المدير القطري للمنظمة في السودان، د. فيصل أحمد النور، أن جهود «سابا» تركز على دعم النظام الصحي وإعادة تأهيله، مشيرًا إلى أهمية الاستفادة من التكنولوجيا وتحديث النظام الصحي بما يواكب التطورات العالمية.

وأضاف أن المنظمة عملت خلال فترة الحرب على تدريب وتأهيل الكوادر الصحية الموجودة، خاصة في ظل نزوح أعداد من العاملين في القطاع الصحي، بهدف المساهمة في سد النقص وتعزيز قدرة المؤسسات الصحية على مواصلة تقديم خدماتها.

وأشار إلى أن المنظمة تعمل على بناء نظام صحي أكثر قوة من خلال تكامل الجهود المحلية والدولية واستقطاب الدعم من السودانيين والشركاء في الخارج، للمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب في القطاع الصحي.

إشادة رسمية

وخلال المؤتمر السنوي للمنظمة، الذي عقد بمدينة بورتسودان، بحضور وزير الصحة الاتحادي د. هيثم محمد إبراهيم، وعدد من قيادات وزارة الصحة وممثلي منظمة الصحة العالمية واليونيسف ووسائل الإعلام، حظيت تجربة «سابا» بإشادة رسمية.

وأكد وزير الصحة الاتحادي أن ما تقوم به المنظمة يعكس وجود تخطيط وعمل مؤسسي، مشيرًا إلى أهمية التخطيط الاستراتيجي وترتيب أولويات إعادة تأهيل القطاع الصحي في ظل محدودية الموارد واتساع حجم الاحتياجات.

وأشار الوزير إلى خطة لإعادة تأهيل عدد من المؤسسات الصحية، تشمل مستشفيات ومراكز صحية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب تضافر جهود السودانيين في الداخل والخارج، إلى جانب دعم المنظمات الدولية، لمعالجة آثار الدمار الذي طال القطاع الصحي.

وأشاد هيثم بتجربة «سابا» وقدرتها على تحقيق حضور واسع في المجال الصحي خلال فترة زمنية قصيرة، مرجعًا ذلك إلى اعتماد المنظمة على التخطيط الاستراتيجي والاستفادة من الخبرات.

نحو نظام صحي أكثر صمودًا

ولم يقتصر نشاط «سابا» على الاستجابة المباشرة للحالات المرضية والطوارئ، بل امتد إلى التوعية الصحية والوقاية من الأمراض، حيث دعمت المنظمة مؤخرًا برنامج وزارة الصحة الاتحادية «ماراثون المشي» بالساحة الخضراء، ضمن فعاليات الملتقى السنوي لمنسقي الأمراض غير السارية، تحت شعار «نحو نظام حياتي صحي».

ويعكس هذا الاتجاه انتقال العمل الصحي من مجرد الاستجابة للحالات الطارئة إلى الاهتمام بالوقاية وتعزيز الصحة ومكافحة الأمراض غير السارية، وهي قضايا تزداد أهميتها في ظل الظروف الصحية والاجتماعية التي تمر بها البلاد.

العمل الطوعي.. مسؤولية تتجاوز الحدود

إن تجربة «سابا» خلال السنوات الماضية تقدم نموذجًا لحجم الدور الذي يمكن أن تلعبه الكفاءات السودانية في الخارج في دعم بلدها، خصوصًا في أوقات الأزمات.

فالمنظمة استطاعت أن توظف خبرات الأطباء والكوادر السودانية في المهجر، وتربطها بالاحتياجات الفعلية للمؤسسات والمجتمعات داخل السودان، عبر برامج تتنوع بين إعادة تأهيل المستشفيات، وتوفير الخدمات الطبية، وتدريب الكوادر، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، والاستجابة للطوارئ الإنسانية.

وتؤكد هذه التجربة أن العمل الطوعي لا يقاس فقط بحجم المساعدات التي تصل إلى المستفيدين، وإنما كذلك بقدرته على بناء المؤسسات، وتطوير الكوادر، ونقل المعرفة، وإيجاد شراكات مستدامة يمكن أن تستمر آثارها حتى بعد انتهاء الأزمات.

وبينما لا تزال احتياجات القطاع الصحي السوداني أكبر من الموارد المتاحة، تظل المبادرات التي تجمع بين الخبرة المهنية والعمل الإنساني والتخطيط المؤسسي جزءًا مهمًا من جهود التعافي وإعادة بناء النظام الصحي.

وفي هذا السياق، تبدو تجربة «سابا» واحدة من التجارب التي تستحق التوثيق والدراسة، ليس فقط باعتبارها منظمة قدمت خدمات طبية وإنسانية واسعة، وإنما باعتبارها نموذجًا لإسهام الكفاءات السودانية في المهجر في دعم وطنها، وتحويل المعرفة والخبرة والموارد إلى تدخلات ملموسة يستفيد منها الإنسان السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى