بكري خضر اليأس يكتب ..أين النصر؟

المدخل: احتفاء وتصفيق حار
تصفيق حار، وعبارات “النصر”، و”إنجاز تاريخي”، و”سند قانوني”، وصور تذكارية وبيانات تهنئة تتسابق لتغطي خبر قبول نقابة الصحفيين السودانيين بقيادة عبد المنعم أبو إدريس كعضو كامل العضوية في الاتحاد الدولي للصحفيين.
وجوه مبتسمة، وشاشات مفتوحة، وتصريحات رسمية تقول: الشرعية الدولية تحققت، والصحفي السوداني أصبح له صوت عالمي.
*سؤال بسيط يطرح نفسه وسط كل هذا الضجيج: وين النصر ده؟*
أي نصر ونحن نعيش في ظروف حرب لم يسبق لها مثيل في تاريخ الصحافة السودانية؟ صحفيون قُتلوا على يد الدعم السريع، وآخرون اعتُقلوا، وهُجروا، وشُردوا، وأغلقت صحفهم، وضاعت وظائفهم، وتبددت مصادر رزقهم. القاتل معروف، والمكان معروف، والجرح مفتوح.
في أي معركة يتكلمون عن النصر؟
النصر يأتي عندما يتوقف القتل. النصر يأتي عندما تُفتح الصحف المغلقة. النصر يأتي عندما يعود الصحفي المشرد إلى بيته وعمله. النصر يأتي عندما يُحاسب القاتل.
أما أن يخرج علينا البعض ببيان تهنئة من بروكسل، ويصفق له من الخرطوم، بينما الصحفي السوداني ما زال يدفع ثمن الحرب يومياً، فهذا ليس نصراً. هذا احتفال في غرفة مغلقة بينما الشارع ينزف.
عضوية في الاتحاد الدولي لا تحمي صحفياً من رصاصة. وبيان تهنئة لا يعيد شهيداً إلى الحياة. وصورة تذكارية لا تعوض صحفياً فقد عمله وبيته وكرامته.
الصحفي السوداني لا يحتاج إلى إطار ذهبي معلق في الهواء. يحتاج إلى من يقف معه في الميدان. يحتاج إلى نقابة حقيقية، لا تفرز ولا تصنف، لا تتعامل بمعايير سياسية ولا أيديولوجية. نقابة تضع دم الصحفي فوق كل اعتبار، وتسمي القاتل باسمه مهما كان.
أين النصر ونقابة بهذا التكوين المنغلق، عضويتها ذاتها محاطة بالشبهات، وكشوفاتها فضحها كتاب صحفيون مشهورون مثل أمير الكعيك ووثقوا فيها أسماء غير صحفيين وطلبة لم يتخرجوا، ويتحدث قياداتها عن شرعية دولية بينما الشرعية في الداخل مفقودة؟
أين النصر والاتحاد الدولي نفسه لم يقدم حماية عملية لصحفي واحد قُتل في الحرب؟ لم نرَ بيان إدانة واضحاً ضد الدعم السريع، ولم نرَ تحركاً دولياً مؤثراً يوقف مسلسل القتل والاعتقال والتهجير.
كيف يستقيم أن تمنح عضوية كاملة لنقابة غير معترف بها في الأصل داخل السودان، ثم يُقال إن هذا نصر؟
هل سيعيد قبول الاتحاد الدولي عضوية النقابة الصحفيين الذين قتلهم الدعم السريع إلى الحياة؟ هل سيعوض أسر الشهداء؟ هل سيغير ذلك شيئاً من واقع الصحفي السوداني الذي يعاني من الانقسام والفرز داخل نقابته نفسها؟
نحن مع اتفاق الصحفيين، ومع تكوين نقابة مستقلة غير سياسية، نقابة تجمع ولا تفرق، تحمي ولا تستبعد. لأن الكثير من الصحفيين السودانيين الوطنيين الأحرار والذين ليس لهم انتماءات أحرقوا بنار السياسة والأحزاب، ودفعوا ثمن الانقسامات السياسية، وظلوا في الظل بينما الأضواء تذهب لأصحاب الشعارات.
*الشخصيات التي تقود النقابة نحترمها ونقدرها. لكل شخص رأيه، وهو حر في انتمائه الحزبي ولونه السياسي، لا أحد يصادر حق أحد في أن يفكر ويعتقد. لكن لا يجب إسقاط الحقائق، ولا يجب أن يتحول الرأي السياسي إلى فرز مهني.*
*الصحفيون قادرون على الدفاع عن قضاياهم بأنفسهم. فهم في الحقيقة قادة رأي عام، ومهنتهم الدفاع عن قضايا المواطن والمجتمع، والوقوف في الصف الأول عند كل قضية عادلة. وكيف لا وهم يمثلون السلطة الرابعة وصوت الشعب، فهم الصوت الذي لا ينكسر، والضمير الذي لا يصمت.*
فكيف تأتي ثلة تدعي الحفاظ على حقوقهم المشروعة والدفاع عنها، في حين أنها في الحقيقة أبعد من ذلك؟
النصر الحقيقي لا يصنع ببيان تهنئة ولا بصورة تذكارية. النصر يصنع عندما يكون الصحفي السوداني آمناً في عمله، وحريته محفوظة، وقاتله محاسباً.
أما ما عداه، فهو احتفاء وتصفيق حار في فراغ.