بشارة جمعة أرور يكتب .. ضرورة إعادة البناء السياسي على الحقائق لا على الأوهام

“ستفقد الأحزاب والقوى السياسية شرعيتها وتأثيرها في المجتمع نسبة لغياب التجديد من حيث القيادات والأفكار،بالإضافة إلى تزايد حالة الإحباط وخيبة الأمل لدى الجمهور بسبب عدم تحقيق الأحزاب لتطلعات الشعب والوفاء بالتزاماتها في تمثيل مصالح المواطنين بشكل فعال والتباطؤ في مواجهة التحديات والمخاطر التي تواجهها البلاد ”
عقلية الأنظمة التي تعاقبت في السودان فشلت تماماً في تجاوز مشاعر الجهوية والعنصرية وحادت عن جادة الطريق انحرفت نحو إفراغ ما في النفوس الخربة.
إن التوازن في كل المجالات ومواجهة المرارات والمآخذ ودحض حيثياتها أو الاعتراف بها ومعالجتها،يعتبر عنصراً مهماً في التسوية وإعادة البناء السياسي على الحقائق لا على الأوهام والخداع ويجب أن ننفذ إلى أعماق هذه القضية بتسليط الأضواء الكاشفة على كثير من أركانها المظلمة والتي ظلت هكذا لفترة أكثر مما يحتمل، ونحسب أن إحدى الآفات الخطيرة هي السكوت عن أهم القضايا أو تناولها في أحسن الأحوال بقدر كبير من التبسيط والسطحية وليس ذلك جهلاً بتلك القضايا وإنما تجاهلاً لها لجملة أسباب من بينها خوف البعض من المآلات المنطقية للتناول الموضوعي المتعمق لها، والخوف البعض الآخر من أن تنوشه سهام الموتورين بتهم العنصرية والجهوية والذين هم في حقيقة الأمر أكثر من ولغ في آنيتها النتنة.
وأيضاً هناك علل كبيرة في حياتنا السياسية تتمثل في التهيب أو التحرج من إثارة بعض القضايا الحساسة على أهميتها،إما تصنعاً بمثالية زائفة أو اتقاءاً لسهام اتهامات باطلة برع البعض في الترهيب بها،لذا قامت الحياة السياسية عندنا في كثير من جوانبها على الأوهام وحجب الحقائق بغيوم من الشعارات الفارغة التي لم تفلح سوى في ابتذال الألفاظ ونحر المعاني باستخدامها في غير سياقها وإعطائها دلالات خاطئة حيث تصبح المفارقة بعيدة بين الأقوال والأفعال وبين بريق الشعارات والدعاية الكاذبة وظلمة الواقع،وإن ذلك ليس مدعاة لمقت ضحايا الصمت فحسب،وإنما يعطي كذلك شعوراً وهمياً لأصحاب النضالات المقتصرة على التصفيق للمسؤول الأعلى بصحة المسار لمروجيها وهذا ما جرى عندنا لوقت طويل ومازال.
وإذا أُريد للبلاد أن تصل إلى استقرار سياسي حقيقي وتخرج من الحلقة المفرغة وهي ترنو بلهفة إلى المستقبل،لابد من تجاوز الأوهام التي رسختها الشعارات الرتيبة والكآبة السياسية بسبب فقدان الأنشطة والفعاليات السياسية الحيوية اللازمة في تنفيذ البرامج…،وفي تقديرنا إن كافة التنظيمات والقوى السياسية معنية بمهمة إعادة البناء السياسي والاجتماعي، وربما هذا يقود إلى منطق ضرورة فترة إنتقالية طويلة نسبياً لتمكن هذه القوى من إعادة بناء وتحديث نفسها وفق ما تمليه ضرورات المرحلة في إطار معالجة المشكل السياسي.
إن أولى الحقائق التي يجب أن يعاد البناء السياسي في ضوئها، هي فهم السودان كما هو فعلاً وليس كما أريد له أن يفهم منذ استقلاله وحتى اليوم؛فلقد أُسئ فهم السودان يوماً إلى الحد الذي عبرت عنه المقولة الشهيرة ” إذا اجتمع السيدان اجتمع السودان” فقد كان ذلك الفهم الذي اختزل الوطن القارة بكل تباينه العرقي والثقافي في السيدين وما يرمزان إليه من هوية ومصالح، وهماً كبيراً وضع قطار السياسة السودانية منذ البداية في غير الخط الصحيح وهذا ما أفضى بنا سبعين سنة ونيف من الاستقلال،إلى مفترق الطرق وربما يقود إلى التمزق والتشرذم لا قدر الله.
ومما ترتب على ذلك الفهم من الناحية العملية،والاعتماد بوجود أصل يمثل قومية السودان وهوامش أطلق عليها لفظ الأقليات يمكن التعامل معها بمعالجات وهوامش، هكذا اختل التوازن المطلوب منذ الوهلة الأولى بين مكونات الشعب الحضارية والثقافية والعرقية في سياسة الدولة على كافة الأصعدة رغم ضرورة ذلك التوازن للوحدة الوطنية والانصهار القومي الحقيقي.
ومن أبرز مظاهر إختلال التوازن ذلك التهميش الواضح في هوية السودان في خطاب الدولة وكأنها كانت مجبرة على تأكيد عروبة السودان وإذ أن التعبير المتوازن كان أفضل في تعزيز الدور العربي والأفريقي للسودان.
ومن مظاهر الاختلال التي نجمت على ذلك الفهم الخاطئ غمط حقوق المناطق،فمن البديهي أن تسوء الأمور في دولة كهذه.
لعله من المناسب والمفيد لضرورات السلام والوئام الاجتماعي والانسجام الوطني أن نعترف ونعالج الأخطاء ويجب على القوى السياسية أن تتحمل مسؤولية أفعالك وتداعياتها…،ولا داعي لضرب الأمثلة الكثيرة ما لم يكابر أحد.
وكذلك من الأوهام التي أفرزتها الفهم السطحي الضيق للسودان صفة القومية التي أُعطيت لبعض الأحزاب والتي لا تمثل في واقع الأمر إلا هوية ومصالح عناصر معينة في السودان،رغم نجاحها في ما سبق أن تحشد التأييد في المناطق المهمشة ولكن لا شك أن هذا التأييد ينحسر
مع تنامي الوعي السياسي في تلك المناطق بإدراك المفارقات…،إذاً الحديث عن أحزاب قومية في مقابل أخرى إقليمية أو جهوية، لا يستند على أساس حقيقي وإنما مرده إلى نظرة الأصل والهوامش لتركيبة الوطن التي تسيطر عليها القوى النافذة في السياسة السودانية.
وقد يجادل البعض بأن هذه النظرة قاصرة على الأحزاب التي تعرف بالطائفية وحدها ولكنها في رأينا تنطبق على كل القوى السياسية التقليدية بما في ذلك العقائدية بدرجات متفاوتة.
لذلك لابد من تصويب النظر إلى معالجة الاختلالات القائمة بالرجوع إلى أسبابها لاحتواء تلك الافرازات من جميع جوانبها.
وفي هذا الخصوص نقول لكل مكابر ومهووس بإختلاق تعارض وهمي أن عهد التعارض المزعوم والتخويف ودمغ الناس بالباطل وإلصاق التهم بما ليس فيهم…إلخ،قد عفى عليه الزمن.
وبما أن البلاد أقبلت على التعددية السياسية فنتج عن تلك الحالة إنقسامات وإنشطارات وتشظي وهلم جرا،حقيقةً أمام هذه القوى أحد خيارين:الخيار الأول هو أن تشترك في بنية وقيادة أحزاب جديد أو اندماج كامل لتشكيل كيان موحد مع اعتبار الفاعلية الحقيقية للقيادات في التنظيم الجديد وليس بالبقاء في الهوامش وذلك بالطبع رهين بإستعداد تلك الأحزاب لفتح أبوابها حتى القيادة بحس وطني قوي وحقيقي وهذا الخيار وإن كنا نحبذه أن يأتي من الأحزاب التقليدية القديمة لكننا نستبعده لعدم استعدادها لأن تكون قومية حقيقية في بنيتها وقيادتها الفعلية وسياساتها في شأن السلطة والثروة،وعليه فإن الخيار الثاني الذي نراه أكثر واقعية يتمثل في عمل تحالف وطني عريض (تحالف قوس قزح) من القوى الحديثة التي تتوفر لها في تقديرنا كل المقومات الأساسية والضرورية لطرح برنامج متماسك سياسياً واقتصادياً وثقافياً أقوى بكثير مما تقوم عليه الأحزاب التقليدية المتكلسة التي فقدت حيويتها ولم تعد قادرة على التكيف مع التطورات والتحولات في المجتمع رغم أنها ظلت تنتحل صفقة القومية وفي الحقيقة هي إما أسرية أو صفوية تتدثر بلبوس الوطنية وغطاء التاريخ،والسمة السائدة عندها؛التمسك بالسلطة والحرص على كرسي الحكم والعمل بكل الوسائل للحفاظ عليه مهما كانت الظروف.
وقناعتنا في كل الأحوال أن القاسم المشترك بين القوى السياسية الحديثة التي ذكرت آنفاً سيكون أكثر موضوعية وموثوقية من القاسم المشترك بين تلك المتحجرة التي تتحلل بإنقراض ديناصوراتها.
#الأحداث تؤلمنا ولكن يجب أن نصنع التغيير والإصلاح والتحول الاستراتيجي الواسع، لذا دعونا نخاطر قليلاً بالخروج على النمطية والمألوف فلولا الخروج مما هو قديم لما كان هناك جديد ولا صنع التاريخ.



